وهبة الزحيلي
146
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
وفيها تفنيد لمزاعم الكفار في شفاعة الآلهة المختلقة ، ونصرتها لعابديها في عالم الحساب في الآخرة . ففي التساؤل الأول تتبدد الآمال ، وتزول الرجاءات ، وتنقطع الأطماع ، فلا يجد العابدون فائدة في نصرة الشركاء وشفاعتهم لهم ، ويتبرأ بعضهم من بعض ، فالشياطين يتبرءون ممن أطاعهم ، والرؤساء يتبرءون ممن قبل منهم ، وتقع الكارثة ، ويبهت المجرمون الكافرون ، كما قال تعالى : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ الزخرف 43 / 67 ] . وفي التساؤل الثاني تشتد الحيرة وتسيطر الدهشة ، فيستغيث الكفار بآلهتهم التي عبدوها في الدنيا لتنصرهم وتدفع عنهم عذاب يوم القيامة ، فلا يجدون جوابا لاستغاثتهم ، ولا صدى لدعائهم ، ولا ينتفعون أصلا بهم ، وودّوا حين رأوا العذاب محدقا بهم لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا إلى الإيمان باللّه تعالى والعمل بكتابه وبما جاء به رسوله . وفي التساؤل الثالث وهو الأمر الحاسم يطلب منهم الجواب عما أجابوا به رسل اللّه وأنبياءه الكرام لما بلغوهم رسالات ربهم ، ولكنهم يسكتون بسبب الحيرة والهول واستيلاء الدهشة عن الجواب ، وتخفى عليهم الحجج ، فلا يجدون حجة لهم يوم القيامة ، ولا يتمكنون من سؤال بعضهم بعضا عن الحجج ؛ لأن اللّه تعالى أدحض حججهم ، وأخرس ألسنتهم ، إذ كل ما يقولونه باطل محض لا خير فيه . وفي هذا إثبات التوحيد والنبوة . وأمام هذه الصورة الكئيبة والحالة المفجعة ، فتح اللّه أمام أولئك المشركين والكفار باب الأمل بالفوز والفلاح وإحراز السعادة ، وهو باب التوبة ، وطريق أهل الحق والإيمان ، وحكم سبحانه أنه بالرغم من سوء حال المشركين الماضية في الدنيا لو تابوا من الشرك ، وصدقوا باللّه وكتبه ورسله واليوم الآخر ،